هل الصلاة بغير وضوء تُخرج صاحبها من الدين؟

حجم الخط
WhatsApp

السؤال

هل الصلاة بغير وضوء تُخرج صاحبها من الدين؟

الفتوى

إنما يخرج المرء من الدين بزوال الإيمان/التصديق القلبي الذي به دخل فيه.1 فإذا زال الإيمان صار القلب محلًّا للكفر. وعليه فخروج المرء من الدين وعدمه متعلق بالإيمان الذي في القلب لا بالعمل؛ إذ محل العمل الجوارح لا القلب. ومن ثَمّ فالعمل الذي يُؤدّى بالجوارح متعلق بالإيمان من جهة الظهور والتجلّي، لا من جهة الإنشاء أو الإبطال. غير أن بعض الأقوال والأعمال لمّا كانت دالةً على انتفاء الإيمان من القلب ذكر العلماء في كتب الفتاوى وبعض كتب العقائد أنها كفر تُخرج صاحبها من الدين، وعدّدوا تحت عنوان «ألفاظ الكفر» الأقوالَ الدالة على كفر قائلها. فالأفعال من قبيل الاستهزاء بشعيرة من شعائر الإسلام، والسجود لصنم، وإلقاء القرآن الكريم في موضع قذر، ليست كفرًا في ذاتها، وإنما هي أفعال دالة على انتفاء الإيمان من قلب فاعلها، ولذلك قيل إنها تُخرجه من الدين.2

وقد ذُكر في بعض كتب المذهب الحنفي أن الصلاة بغير وضوء عمدًا كفر يُخرج صاحبه من الدين.3 إلا أنه على القول المختار لا يكفر فاعل ذلك إلا إذا فعله بقصد الاستخفاف بالصلاة. وقد بيّن العلماء الذين اختاروا هذا القول أن القول الأول لا يتناول كل من صلى بغير وضوء، وإنما يتعلق بمن استهزأ بالصلاة.4 وعليه فالصلاة بغير وضوء ليست كفرًا في ذاتها، وإنما هي فعل دالّ على الكفر، ولذلك يُشترط أن يستحلّ فاعلُها هذا العمل أو أن يفعله بقصد الاستهزاء بالصلاة والاستخفاف بها. فمن صلى بغير وضوء مستحلًّا لذلك أو قاصدًا الاستخفاف بالصلاة كفر، وإلا فلا كفر على الإطلاق. ويؤيد ذلك أن مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جرح يمنعه من التيمم، فإنه لمّا عجز عن الوضوء والتيمم جميعًا كان مكلفًا بأداء صلواته بغير طهارة. ويُفهم من هذا الحكم أن من صلى بغير وضوء لا يكفر بإطلاق.5

والحاصل أن من صلى بغير وضوء عند الحنفية بقصد الاستهزاء بالصلاة كفر، وأما إن فعل ذلك كسلًا أو جهلًا فهو آثم، لكنه لا يكفر. والحكم كذلك عند الشافعية.6

الحواشي والمصادر٦
  1. أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحجري المصري الطحاوي، العقيدة الطحاوية (بيروت: دار ابن حزم، 1995)، 21. ↩

  2. انظر: أبو الحسن نور الدين علي بن سلطان محمد القاري الهروي، مجموع رسائل علي القاري (إسطنبول: دار اللباب، 2016)، 7/124-141. ↩

  3. حسين بن محمد بن حسين السمنقاني، خزانة المفتين (المملكة العربية السعودية: جامعة الملك خالد، د.ت.)، 364. ↩

  4. محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الحسيني الدمشقي ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (لاهور: المكتبة الرشيدية، د.ت.)، 267-268. ↩

  5. ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 267. ↩

  6. أبو بكر عثمان بن محمد شطا الدمياطي، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (دار الفكر، 1997)، 4/156. ↩