هل يُتنفّل قبل فرض المغرب؟

حجم الخط
WhatsApp

السؤال

هل يُتنفّل قبل فرض المغرب؟

الفتوى المختصرة

يباح التنفل بركعتين قبل فرض المغرب بشرط ألا تُعتقد سنة، وألا يُخِلّ ذلك بسنّة تعجيل صلاة المغرب. فإن أُخلّ بهذين الشرطين كان التنفل قبل فرض المغرب مكروهًا.

الفتوى المفصلة

إن الله تعالى بعطفه الصلاة على الإيمان1 يشير إلى أهمية الصلاة على الإطلاق، ورسول الله ﷺ بترغيبه في أداء النوافل بسنّته القولية والفعلية يشير إلى مكانة الصلاة في الدين. وفي ذلك يقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ، يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ -وَهُوَ أَعْلَمُ-: انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ».2

صلاة النافلة -التي نُهي عنها في بعض الأوقات-3 مرغَّب فيها على وجه العموم. ومن الأوقات التي شُرعت فيها النافلة ما بين الأذان والإقامة، أي الوقت الذي يسبق الصلاة المفروضة؛ إذ رغّب رسول الله ﷺ أمته في التنفل قبل الفرائض بقوله: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ4 صَلَاةٌ».5 إلا أن حكم التنفل بين الأذان والإقامة في صلاة المغرب كان موضع نقاش بين الفقهاء.

القائلون بالكراهة وأدلتهم

القائلون بكراهة التنفل قبل فرض المغرب6 -وهم جمهور فقهاء الحنفية-7 يستدلون بالروايات الآتية:

  1. قال رسول الله ﷺ في شأن صلاة المغرب: «صَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ مَعَ سُقُوطِ الشَّمْسِ بَادِرُوا بِهَا طُلُوعَ النَّجْمِ»،8 وقال ﷺ: " لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا صَلَّوْا الْمَغْرِبَ، قَبْلَ طُلُوعِ النُّجُومِ ".9
  2. سُئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الركعتين قبل فرض المغرب فأجاب: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا».10
  3. ذهب إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى في رواية منقولة عنه إلى أن هذه الصلاة بدعة،11 وفي رواية أخرى عنه أنه قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يُصَلُّوهَا».12

فهذه الروايات كما تدل على تأكد تعجيل صلاة المغرب، تبيّن كذلك أنه لا نافلة قبل فرضها. وعليه فالتنفل قبل فرض المغرب مكروه؛ لأنه يؤدي إلى مخالفة الأمر النبوي بالمبادرة إلى أداء الفرض.

وقد بيّن فقهاء الحنفية أن صلاة المغرب ينبغي أن تُستثنى من رواية «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» التي استدل بها القائلون باستحباب هذه الصلاة؛ لأن رسول الله ﷺ استثنى المغرب في أحد طرق هذه الرواية بقوله: بين كل أذانين صلاة ما خلا المغرب.

القائلون بالاستحباب وأدلتهم

وأما الفقهاء الذين ذهبوا -وفي مقدمتهم الشافعية-13 إلى أن التنفل قبل فرض المغرب مستحب،14 فيستدلون بالروايات الآتية:

  1. ذكر عبد الله المزني رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال ثلاث مرات: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ»، وأنه زاد في الثالثة قيد «لِمَنْ شَاءَ» كراهيةَ أن يتخذها الناس سنة.15
  2. صلى رسول الله ﷺ قبل المغرب ركعتين، ثم قال ثلاث مرات: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ».16
  3. ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه أنهم كانوا على عهد رسول الله ﷺ يصلّون ركعتين بعد غروب الشمس قبل فرض المغرب، فلما سُئل: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ أجاب: «كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا».17
  4. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا».18

ويقول القائلون باستحباب التنفل بين أذان المغرب وفرضه إن زيادة “ما خلا المغرب” الواردة في بعض طرق الحديث الشريف -التي يستند إليها الفقهاء القائلون بالكراهة- شاذّة، ولذلك لا يصح أن يُبنى عليها حكم.19

تحليل الأحاديث

ذكر القائلون بكراهة التنفل قبل فرض المغرب أنه لمّا كان بين الروايات الدالة على ندب هذه الصلاة والنقول الدالة على النهي عنها تعارض، وجب الترجيح بين الروايات.20 وعليه فإذا أُخذ بعين الاعتبار رواية ابن عمر رضي الله عنهما أن أحدًا لم يكن يصلي هذه الصلاة،21 وقول إبراهيم النخعي إن أبا بكر وعمر لم يصلياها22 وإن أداءها بدعة،23 والأحاديث الدالة على تأكد أداء صلاة المغرب فور دخول وقتها،24 كان القول بكراهة هذه الصلاة أصوب. غير أن هذه الكراهة إن كانت ناشئة عن تأخير يسير فهي تنزيهية لا تحريمية.25

وأما الركعتان اللتان صلاهما النبي ﷺ قبل فرض المغرب،26 فليستا هذه النافلة، وإنما هما صلاة أخرى كان قد نسي أداءها؛ إذ ذكر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في رواية أنهم سألوا أزواج النبي ﷺ: هل كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين قبل المغرب؟ فأجبن بالنفي، إلا أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها فإنها روت أنه صلى عندها مرةً في هذا الوقت ركعتين، فلما سألت رسول الله ﷺ عن هذه الصلاة أجابها بأنه نسي الركعتين قبل العصر فصلاهما الآن.27 وأما ما رواه أنس بن مالك من مبادرة الصحابة الكرام إلى صلاة ركعتين نافلةً عند أذان المغرب28 فهو أمر نادر الوقوع؛29 إذ لو لم يكن نادرًا لعلم به ابن عمر وأزواج النبي ﷺ.30

وقد ذكر فقهاء من الحنفية كظفر أحمد التهانوي31 وشبير أحمد العثماني32 أنه ينبغي الجمع بين الروايات التي استدل بها الفريقان. وعليه فأداء هذه الصلاة ليس مكروهًا على الإطلاق، وإنما يُكره إذا أدّى إلى تأخير صلاة المغرب، أو اعتُقد أنها سنة ينبغي أداؤها. وأما إذا صُلّيت خفيفةً بحيث لا تؤدي إلى تأخير أداء صلاة المغرب، ولم تُعتقد سنة، فهي مباحة. وقد ذكر المحققون من العلماء كابن الهمام33 وابن نجيم34 -بعد أن أيّدوا بالأدلة رأي الجمهور القائلين بعدم استحباب هذه الصلاة- أن الركعتين إذا صُلّيتا على وجه لا تؤدي إلى تأخير صلاة المغرب لم تكونا مكروهتين. وذكر ظفر أحمد التهانوي صاحب إعلاء السنن أيضًا -آخذًا بعين الاعتبار الروايات التي استدل بها الفريقان- أن رد جواز التنفل بركعتين قبل صلاة المغرب ليس صوابًا، وأن الإشكال إنما هو في عدّهما سنة.35

والحاصل أن صلاة ركعتين قبل المغرب مكروهة تنزيهًا على القول العام في المذهب الحنفي، غير أن محققي المذهب ذكروا أن هذه الصلاة مباحة ما لم تُعتقد سنة، وما دامت تُؤدّى على وجه لا يُخلّ بسنّة تعجيل صلاة المغرب. وأما عند الشافعية فالتنفل قبل فرض المغرب مستحب.

الحواشي والمصادر٣٥
  1. البقرة، 2/3. ↩

  2. أبو داود، الصلاة، 144، 145 (رقم الحديث: 864). ↩

  3. للأوقات التي يُنهى فيها عن النوافل انظر: برهان الدين المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي (كراتشي: مكتبة البشرى، 2021)، 1/142-144. ↩

  4. المراد بالأذانين على المشهور: الأذان والإقامة، وسُمّيا بذلك من باب التغليب. ويمكن كذلك حمل العبارة على ظاهرها وفهمها بمعنى: «بين كل أذانين صلاة نافلة كما أن بينهما صلاة مفروضة». انظر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (المكتبة السلفية، د.ت.)، 2/107. ↩

  5. قال رسول الله ﷺ هذه العبارة مرتين، وقال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ». انظر: البخاري، الأذان، 16 (رقم الحديث: 627). ↩

  6. لجنة من العلماء، الفتاوى الهندية (الفتاوى العالمكيرية) (بيروت: دار الفكر، 2014)، 1/109. ↩

  7. محمد أمين ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (بيروت: دار المعرفة، 2015)، 2/46. ↩

  8. أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، د.ت.)، 4/176 (رقم الحديث: 4058). ↩

  9. أبو عبد الله أحمد بن محمد الشيباني ابن حنبل، المسند (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001)، 24/493 (رقم الحديث: 15717). ↩

  10. أبو داود، التطوع، 11 (رقم الحديث: 1284). ↩

    وقد ذكر الإمام النووي أن إسناد الرواية حسن. انظر: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب (القاهرة: إدارة الطباعة المنيرية، 1928)، 4/9.

  11. أبو محمد (أبو الثناء) بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العيني، عمدة القاري في شرح صحيح البخاري (دار الفكر، د.ت.)، 5/139. ↩

  12. محمد بن الحسن الشيباني، الآثار (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.)، 1/374. ↩

    عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَنَهَانِي عَنْهَا، وَقَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يُصَلُّوهَا»

  13. انظر: شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج بشرح المنهاج (بيروت: دار الضياء، 2020)، 2/350. ↩

  14. ذُكر في بعض مصادر الفقه الشافعي أن صلاة ركعتين قبل المغرب سنة غير مؤكدة. ولا فرق من حيث الحكم بين السنة غير المؤكدة والمستحب والمندوب، فهي مصطلحات يُستعمل بعضها مكان بعض. انظر: الهيتمي، تحفة المحتاج بشرح المنهاج، 2/343. ↩

  15. البخاري، التهجد، 35 (رقم الحديث: 1183). ↩

  16. أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد البستي، المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع (بيروت: دار ابن حزم، 2012)، 5/51 (رقم الحديث: 3955). ↩

  17. انظر: مسلم، صلاة المسافرين، 55 (رقم الحديث: 836). ↩

  18. انظر: مسلم، صلاة المسافرين، 55 (رقم الحديث: 837). ↩

  19. انظر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 2/108. ↩

  20. كمال الدين محمد بن عبد الواحد ابن الهمام، شرح فتح القدير على الهداية (بيروت: دار الفكر، 2012)، 1/445. ↩

  21. انظر: أبو داود، التطوع، 11 (رقم الحديث: 1284). ↩

  22. الشيباني، الآثار، 1/374. ↩

  23. العيني، عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، 5/139. ↩

  24. انظر: ابن حنبل، المسند، 24/493 (رقم الحديث: 15717)؛ الطبراني، المعجم الكبير، 4/176 (رقم الحديث: 4058). ↩

  25. ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 2/47. ↩

  26. انظر: البستي، المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، 5/51 (رقم الحديث: 3955). ↩

  27. أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، مسند الشاميين (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996)، 3/212 (رقم الحديث: 2109). ↩

  28. انظر: مسلم، صلاة المسافرين، 55 (رقم الحديث: 837). ↩

  29. ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 2/46. ↩

  30. انظر: علي بن سلطان محمد الهروي القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (بيروت: دار الفكر، 2002)، 3/898. ↩

  31. انظر: ظفر أحمد التهانوي، إعلاء السنن (كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1996)، 2/67-70. ↩

  32. شبير أحمد العثماني، فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (دمشق: دار القلم، 2006)، 2/277-280. ↩

  33. ابن الهمام، شرح فتح القدير على الهداية، 1/446. ↩

  34. زين الدين ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (دار الكتاب الإسلامي، د.ت.)، 1/266. ↩

  35. التهانوي، إعلاء السنن، 2/68-69. ↩