هل يجوز للمرأة أن تشهد جنازة زوجها؟
السؤال
هل يجوز للمرأة التي تُوفّي زوجها أن تشهد جنازته؟
الفتوى
من حقوق المسلمين بعضهم على بعض أن يشهد الحيُّ جنازة الميت. وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ»1
ومع أن شهود المؤمنين جنائز بعضهم أمرٌ مرغَّب فيه، فإن شهود النساء الجنائز قد نُظر إليه نظرًا مختلفًا؛ إذ ذكرت أم عطية رضي الله عنها في رواية نقلها البخاري أن النساء نُهين عن اتباع الجنائز.23 وإذا أُخذت بعين الاعتبار كذلك الروايات الأخرى الواردة في المسألة،4 تبيّن أن شهود النساء الجنائز ليس أمرًا مشروعًا. وانطلاقًا من هذه الروايات ذهب الحنفية إلى أن شهود النساء الجنائز مكروه تحريمًا،5 وذهب الشافعية إلى أنه مكروه تنزيهًا.6
والمرأة التي تُوفّي زوجها -وهي التي يجب عليها أن تعتدّ أربعة أشهر وعشرًا-7 يلزمها أن تعتدّ في البيت الذي كانت تسكنه مع زوجها8 ما لم تطرأ ضرورة تقتضي خروجها منه.9 وقد اختلف الفقهاء في شهود المرأة التي هذه حالها جنازةَ زوجها:
فعند الحنفية يجب على المرأة أن تبدأ الاعتداد في بيتها من حين وقوع الطلاق أو وصول خبر وفاة الزوج.10 ويُفهم من تصريح الفقهاء ببدء العدة بالوفاة دون أي استثناء أن المرأة لا يجوز لها أن تشهد جنازة زوجها أيضًا؛ إذ لم يعدّ الحنفية حتى أداءَ فريضة الحج سببًا مشروعًا لخروج المعتدة من بيتها.11
وعند الشافعية كذلك لا تخرج المعتدة إلا لحاجاتها الضرورية.12 وبناءً عليه يجب على المرأة عند الشافعية أيضًا ألا تشهد الجنازة وأن تعتدّ في بيتها.
وأما عند المالكية فيجوز للمرأة أن تخرج لجنازة زوجها ما لم تُخشَ الفتنة.13
فإن كان منعُ المرأة التي تُوفّي زوجها من شهود الجنازة في المكان المخصص للنساء سيزيد حالتها النفسية سوءًا، جاز لها أن تقلّد مذهب المالكية فتخرج إلى الجنازة. لكن الواجب في الأحوال العادية ألا تخرج المرأة التي تُوفّي زوجها من بيتها في مدة العدة إلا للضرورات.
الحواشي والمصادر١٣
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح (بيروت: الرسالة العالمية، 1432)، الجنائز، 2 رقم الحديث: 1240 “أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه-قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ « حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلاَمِ ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ »”. وقد ذُكرت هذه الحقوق في رواية مسلم ستة. أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم، الجامع الصحيح (بيروت: دار المعرفة، 2009)، السلام، 5 رقم الحديث: 2162 “عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ.” قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: “إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ”. ↩
يتضح من قول أم عطية رضي الله عنها: “وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا” أن هذا النهي لا يفيد التحريم، وهذا البيان يدل على أن اتباع النساء الجنائز ليس حرامًا، بل مكروه تنزيهًا. غير أن ابن عابدين ذكر أن هذا التقرير خاصّ بنساء عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما في زماننا فاتباع النساء الجنائز مكروه تحريمًا لشيوع الفساد. وللتفصيل انظر: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الحسيني الدمشقي ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (بيروت: دار الفكر، 1966)، 2/232. ↩
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح (دمشق: دار ابن كثير، 1993)، الجنائز، 29 رقم الحديث: 1278. “عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.”. ↩
أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه، سنن ابن ماجه (دار الرسالة العالمية، 2009)، الجنائز، 50. رقم الحديث: 1578. “عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ فَقَالَ: ” مَا يُجْلِسُكُنَّ ؟ ” قُلْنَ : نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ. قَالَ : ” هَلْ تَغْسِلْنَ ؟ ” قُلْنَ : لَا. قَالَ : ” هَلْ تَحْمِلْنَ ؟ ” قُلْنَ : لَا. قَالَ : ” هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي ؟ ” قُلْنَ : لَا. قَالَ : ” فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ “.” ↩
ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 2/232. ↩
أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1972)، 7/2. ↩
أبو الحسن برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي (كراتشي: البشرى، 2021)، 2/162. ↩
ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 3/536. ↩
انظر: «(F024) هل يجوز للمعتدة أن تخرج من بيتها؟ – إحسان شنوجاق» (بالتركية)، إعداد: إحسان شنوجاق. ↩
لجنة من العلماء، الفتاوى الهندية (بيروت: دار الفكر، 2014)، 1/587. ↩
أبو المحاسن فخر الدين حسن بن منصور بن محمود الأوزجندي الفرغاني قاضي خان، فتاوى قاضي خان (بيروت: دار الفكر، 2010)، 1/351. ↩
شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (دار الفجر، 2023)، 5/7. ↩
أحمد بن محمد الصاوي المالكي الخلوتي، بلغة السالك لأقرب المسالك (دار المعارف، د.ت.)، 4/1/506. ↩