هل يجوز بيع الكلب؟

حجم الخط
WhatsApp

السؤال

هل يجوز بيع الكلب؟

الفتوى

اشتُرط في الفقه الإسلامي لصحة بيع الشيء أن يكون الانتفاع به مباحًا شرعًا (أي أن يكون متقوّمًا).1 ولهذه العلة ذهب فقهاء الشافعية إلى عدم جواز بيع الكلب.2 إذ نهى رسول الله ﷺ عن بيع الكلب، وأخبر أن الثمن المأخوذ من هذا البيع حرام.3 ودليل الشافعية الثاني على عدم صحة هذا البيع أنهم يعدّون الكلب نجس العين.4 وأما فقهاء الحنفية فقد صرّحوا بأن ما عدا الكلاب العقورة متقوّم، وأجازوا بيعه.5 لأن الله تعالى أخبر بأن الكلب أيضًا حيوانٌ يُنتفع به شرعًا، وذلك في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِینَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُوا۟ مِمَّاۤ أَمۡسَكۡنَ عَلَیۡكُمۡ﴾،6 وأكّد رسول الله ﷺ هذا المعنى بترخيصه في بيع كلاب الصيد.7 وقد ذكر الفقهاء في الترخيص في بيع كلاب الصيد حاجةَ الناس إليها، وبيّنوا أن الكلاب التي تُباع لحاجة كالحراسة والنواطير في نفس الحكم. ومن الأدلة الأخرى على أن الكلب مال متقوّم أن عثمان رضي الله عنه ألزم من قتل كلبًا مملوكًا بضمان قيمته.8 إذ الضمان لا يكون إلا فيما يجوز بيعه.9 وأما النهي عن بيع الكلب فقد قُصد به سدّ ما كان عليه المسلمون في أول الأمر من فرط الولع بالكلاب؛ إذ كان الضيوف القادمون إلى البيوت يتأذّون بالكلاب ويلحقهم منها الأذى، فلما تركوا عادتهم هذه رخّص رسول الله ﷺ في بيع الكلاب التي يُنتفع بها.10 ويذكر الحنفية أن الحديث الشريف الآمر بقتل الكلاب -الذي استُدلّ به على أن الكلب غير متقوّم- منسوخ، وأن النبي ﷺ بقوله: «لَوْلاَ أَنَّ الْكِلاَبَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا»11 قد بيّن أن الأمر بقتلها كان في أول الأمر.12 والأحاديث الشريفة الدالة على جواز الانتفاع بالكلب تدل كذلك على أنه ليس نجس العين؛ إذ لا يجوز الانتفاع بما هو نجس العين كالخمر إلا لضرورة.13 ولو سُلِّم أنه نجس العين فإن ذلك يقتضي حرمة أكله،14 ولا يمنع الانتفاع به؛ فإن السِّرقين نجس العين ومع ذلك لا يُمنع بيعه.15 ويجوز كذلك بيع الكلاب التي لا يُنتفع بها بعدُ ويمكن الانتفاع بها في المستقبل.16 وأما الكلاب العقورة التي لا تقبل التعليم فلا يجوز بيعها بحال.17

الحواشي والمصادر١٧
  1. محمد تقي العثماني، فقه البيوع على المذاهب الأربعة مع تطبيقاتها المعاصرة مقارنًا بالقوانين الوضعية (كراتشي: مكتبة معارف القرآن، 2015)، 1/290. ↩

  2. أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي، الحاوي الكبير (بيروت – لبنان: دار الكتب العلمية، 1999)، 5/375. ↩

  3. أبو حاتم محمد ابن حبان، صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرناؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1988)، 11/315. ↩

  4. أبو محمد محيي السنة الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي، التهذيب (دار الكتب العلمية، 1997)، 3/567. ↩

  5. أبو الحسين أحمد بن أبي بكر محمد بن أحمد القدوري، المختصر (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، 89؛ أبو حفص سراج الدين عمر بن إسحاق بن أحمد الغزنوي، الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة (مؤسسة الكتب الثقافية، 1986)، 88. ↩

  6. المائدة 5/4. ↩

    وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِینَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ

  7. أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي، نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية (بيروت – لبنان: مؤسسة الريان، 1997)، 4/54. ↩

    أَرَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ

  8. أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحجري المصري الطحاوي، شرح معاني الآثار (عالم الكتب، 1994)، 4/58. ↩

  9. شبير أحمد العثماني – محمد تقي العثماني، فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم (دمشق: دار القلم، 2006)، 7/496. ↩

  10. أبو بكر شمس الأئمة محمد بن أبي سهل أحمد السرخسي، المبسوط (بيروت: دار المعرفة، 1993)، 11/235. ↩

  11. أبو داود، الضحايا (الصيد)، 21، 22 (رقم الحديث: 2845)؛ الترمذي، الصيد 16 (رقم الحديث: 1486). ↩

    لَوْلاَ أَنَّ الْكِلاَبَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا

  12. أبو محمد (أبو الثناء) بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العيني، عمدة القاري في شرح صحيح البخاري (بيروت: دار إحياء الكتب العربية، د.ت.)، 15/202. ↩

  13. حسام الدين حسين بن علي بن حجاج البخاري السغناقي، النهاية في شرح الهداية (مركز الدراسات الإسلامية بكلية الشريعة، 1435)، 14/191. ↩

  14. أبو الحسن برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي (السند: البشرى، 2021)، 3/150. ↩

  15. أكمل الدين محمد بن محمود بن أحمد الرومي المصري البابرتي، العناية (دار الفكر، د.ت.)، 7/121. ↩

  16. السرخسي، المبسوط، 11/235. ↩

  17. محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الحسيني الدمشقي ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (بيروت: دار الفكر، 1992)، 5/227. ↩