هل تُدفع الزكاة لطالب العلم الغني؟
السؤال
هل تُدفع الزكاة لطالب العلم الغني؟
الفتوى
بيّن القرآن الكريم مصارف الزكاة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡعَـٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَـٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ﴾.1 ومن الأصناف التي تُعطى الزكاة -كما ورد في الآية- الفقراء.2 والفقر شرعًا هو عدم ملك مال بقدر النصاب.3 وطالب العلم4 وإن دخل في عموم قوله تعالى في الآية: “وَفي سَبيلِ اللّٰهِ”، فإن أخذ من دخل في هذا الصنف للزكاة مشروط بأن يكون محتاجًا لا يملك مالًا بقدر النصاب.5 وأما من ملك مالًا بقدر النصاب فيُعدّ غنيًّا وإن كان طالبًا.6 وإن النبي ﷺ يبين بقوله: «لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لغنيٍّ»7 أن الزكاة لا تُعطى لمن ملك مالًا بقدر النصاب.8
ومن الأمور الأخرى التي ينبغي التنبه إليها في أخذ طالب العلم للزكاة: بلوغه سنّ البلوغ؛ إذ الطالب الذي لم يبلغ يُعدّ غنيًّا بغنى أبيه -إن كان أبوه غنيا- فلا يأخذ الزكاة، وأما الطالب البالغ فيُعدّ فقيرًا -وإن كان أبوه غنيًّا- ما دام لا يملك في ملكه الخاص مالًا بقدر النصاب، فيجوز له أخذ الزكاة.9
وقد ذكر من فقهاء الحنفية السرخسي (ت 483هـ)10 وشيخي زاده (ت 1078هـ)11 والحصكفي (ت 1088هـ)12 والطحطاوي (ت 1231هـ)13 أن طالب العلم يجوز له أخذ الزكاة وإن كان غنيًّا، قياسًا على صنف «العاملين عليها» الذين يأخذون نصيبًا من الزكاة وإن كانوا أغنياء؛ لقيامهم بوظيفة لمصلحة المسلمين، ولعدم تمكنهم بسبب وظيفتهم من المجال في عمل آخر لتحصيل معاشهم. وذلك أن طالب العلم الذي وقف نفسه على تحصيل العلم ونقله إلى غيره، إذا كان مالكًا لنصاب ولم يأخذ الزكاة، فإنه وإن تمكّن من تحصيل معاشه بإمكاناته الخاصة مدةً، فإن ماله سينفد في النهاية، فإما أن يعجز عن تأمين معيشته، وإما أن يترك طلب العلم ليكتسب. وقد بيّن هؤلاء الفقهاء أن ذلك سيؤدي إلى ضعف جناح العلم في المجتمع الإسلامي وصعوبة التعليم الديني،14 فأجازوا لطالب العلم الغني أن يأخذ الزكاة. غير أن ابن عابدين (ت 1252هـ) اعترض على أخذ طالب العلم الغني للزكاة، معتمدًا على أن ذلك مخالف لاشتراط الفقر في آخذ الزكاة، وبيّن أن من تُعطى له الزكاة يجب أن يكون فقيرًا وإن كان طالب علم.15
وأما عند الشافعية فيجوز للشخص أن يأخذ الزكاة إذا لم يكن له مال أو كسب يفي بحاجاته اليومية في غالب عمره.16 بل إن الشخص إذا ملك مالًا بقدر النصاب وكان كسبه لا يكفي حاجاته اليومية، فإنه يُخرج الزكاة من جهة ملكه للنصاب، ويأخذ الزكاة كذلك من جهة عجزه عن سدّ حاجاته.17 وعليه فإن طالب العلم الغني يجب عليه إخراج الزكاة لملكه النصاب، ويجوز له مع ذلك أخذ الزكاة إذا لم يكن له مال أو كسب يفي بحاجاته اليومية.
الحواشي والمصادر١٧
التوبة، 9/60 “اِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَٓاءِ وَالْمَسَاكينِ وَالْعَامِلينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَ۬لَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمينَ وَفي سَبيلِ اللّٰهِ وَابْنِ السَّبيلِ فَريضَةً مِنَ اللّٰهِ وَاللّٰهُ عَليمٌ حَكيمٌ” ↩
أبو الحسن برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي (كراتشي: البشرى، 2021)، 1/326. ↩
محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الحسيني الدمشقي ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (بيروت: دار المعرفة، 2015)، 3/333. ↩
المراد بطالب العلم: الطلاب الذين يحصّلون العلوم الشرعية. وللتفصيل انظر: ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 3/335. ↩
علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (دار الكتب العلمية، 1909)، 2/45. ↩
انظر: عبد الغني بن طالب بن حمادة الميداني الغنيمي، اللباب في شرح الكتاب (إسطنبول: مكتبة الإرشاد، 2018)، 1/248. ↩
علي الرباني، جامع الترمذي والمذهب الحنفي (كراتشي: المكتبة الربانية، 2020)، رقم الحديث: 652 “لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لغنيٍّ”. ↩
الغنيمي، اللباب في شرح الكتاب، 1/248. ↩
الغنيمي، اللباب في شرح الكتاب، 1/249. ↩
ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 3/335. ↩
عبد الرحمن شيخي زاده، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.)، 1/220. ↩
ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 3/335. ↩
أحمد بن محمد بن إسماعيل الدوقاتي الطحطاوي، حاشية على مراقي الفلاح (لبنان: دار تحقيق الكتاب، 2022)، 2/2/570. غير أن الطحطاوي ذكر في حاشيته على الدر المختار أن قياس طالب العلم الغني على العامل على الزكاة غير صحيح. انظر: أحمد بن محمد بن إسماعيل الدوقاتي الطحطاوي، حاشية على الدر المختار (بيروت: دار الكتب العلمية، 2017)، 3/273. ↩
انظر: ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 3/335. ↩
ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 3/335. ↩
شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني القاهري، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (بيروت: دار الفكر، د.ت.)، 1/230. ↩
إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، حاشية على شرح ابن قاسم الغزي على متن أبي شجاع (لبنان: دار النور صباح، 2015)، 2/64. ↩