هل يجوز البيع بلا مخزون (الدروبشيبينغ)؟
السؤال
هل يجوز البيع بلا مخزون (Dropshipping)؟
الفتوى المختصرة
البائع في عملية البيع بلا مخزون (Dropshipping) يبيع سلعة غير موجودة في مخزونه. ومشروعية هذه الصورة من البيع متوقفة على وجود اتفاق بين الشركة المورِّدة والبائع؛ فإن كان ثمة اتفاق يتضمن تفويض المورِّد للبائع في بيع المنتجات الموجودة في مخزونه، كانت العلاقة بينهما وكالةً بأجر، ومن ثَمّ يجوز هذا التعامل. وعليه يكون الربح الذي يضيفه البائع على المنتج عند بيعه للمشتري أجرةً للوكالة. وأما إذا لم يوجد بين الطرفين مثل هذا الاتفاق، فإن «البيع بلا مخزون» لا يجوز؛ لأن البائع يكون قد باع سلعة ليست في ملكه.
الفتوى المفصلة
إن الله تعالى الذي أمر بعمارة الأرض وكسب الرزق من الطريق المشروع قد حرّم الربا وأحلّ البيع.1 والإسلام الذي بيّن أصول البيع قد وضع شروطًا معيّنة لدرء ما يُحتمل أن ينشأ في أثناء التعاقد من نزاعات. وفي هذا السياق قرّر الإسلام -مراعاةً لهذا المعنى- شروطًا كوجود التراضي بين الطرفين، والعلم بالثمن، والعلم بمقدار المبيع وصفاته، وقدرة البائع على تسليم المبيع. ومن الشروط اللازمة لجواز البيع كذلك أن يكون المبيع مملوكًا للبائع وأن يكون قد قبضه (أي تسلّمه). وفي البيع بلا مخزون (Dropshipping)، الذي هو من صور البيع الشائعة في زماننا، يعرض البائع على المشتري سلعًا ليست عنده، بل هي موجودة في مخزون الشركة المورِّدة، بعد أن يضيف عليها ربحًا، فإذا طُلبت السلعة تولّت الشركة المورِّدة إرسالها مباشرة إلى المشتري. وسنتناول في هذه المقالة التكييف الفقهي للبيع بلا مخزون (Dropshipping) الذي قد يقع فيه بيع المنتج من غير تملّكه، وبيان حكمه من حيث الجواز.
بيع الإنسان ما ليس في ملكه
لا يجوز للإنسان أن يبيع ما ليس في ملكه؛ فقد سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه رسول الله ﷺ فقال: «يَأْتِينِى الرَّجُلُ يَسْأَلُنِى مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِى أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ؟» فقال رسول الله ﷺ: «لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».2 وقد استنبط الفقهاء من قول رسول الله ﷺ: “لا تبع ما ليس عندك” حكمَ عدم جواز بيع الإنسان ما ليس في ملكه.3 وبناء على ما تقدم فلا يجوز للإنسان أن يبيع مالًا لا يملكه، وإن ملكه بعد ذلك.4
غير أن فقهاء الحنفية ذهبوا إلى أن الشخص إذا تصرّف في مال غيره بنحو البيع (بيع الفضولي) -مع أنه غير جائز- فإن العقد ينعقد موقوفًا على إجازة المالك. وبناء على ما تقدم فإن شاء المالك أجاز البيع فنفذ وأخذ الثمن، وإن شاء فسخ العقد. لكن يُشترط لصحة هذه الإجازة اللاحقة أن يكون المبيع قائمًا، وأن تبقى أهلية المتعاقدين للبيع.5
ونُقل عن الإمام الشافعي في هذه المسألة قولان؛ فقد وافق الحنفية في القول القديم، وذهب في القول الجديد إلى أن هذا العقد باطل، وهو الصحيح من المذهب.6
بيع ما لم يقبضه البائع بعدُ (لم يتسلّمه)
مسألة بيع الإنسان ما لم يقبضه بعدُ من المسائل الخلافية بين الفقهاء. وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما في ذلك واقعةً جرت له، فقال: «ابْتَعْتُ زَيْتًا فِى السُّوقِ فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لِنَفْسِى لَقِيَنِى رَجُلٌ فَأَعْطَانِى بِهِ رِبْحًا حَسَنًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِى بِذِرَاعِى فَالْتَفَتُّ فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ لاَ تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ».7
وقد ذهب الإمام محمد8 رحمه الله والإمام الشافعي9 رحمه الله -أخذًا بعموم النهي الوارد في هذا الحديث الشريف- إلى عدم جواز بيع الإنسان ما اشتراه ولم يقبضه بعدُ، منقولًا كان أو غير منقول.
وأما الإمام الأعظم أبو حنيفة والإمام أبو يوسف رحمهما الله تعالى فقد ذكرا أن علة النهي عن بيع ما لم يُقبض هي تضرّر المشتري بهلاك المبيع (تلفه أو تعيّبه) قبل أن يصل إلى يده. ولمّا كان هلاك العقار نادرًا، فإن هذا النوع من الأموال خارج عن هذا النهي عندهما.10
وبناء على ما تقدم فبيع الإنسان ما ليس في ملكه لا يجوز مطلقًا، وأما بيعه ما اشتراه ولم يقبضه بعدُ ففيه خلاف؛ فالإمام أبو حنيفة والإمام أبو يوسف رحمهما الله تعالى يجيزان بيع العقار قبل القبض، وهما في المنقول على رأي الإمام الشافعي والإمام محمد. وأما هذان الإمامان الجليلان فلا يجيزان بيع ما لم يُقبض مطلقًا، منقولًا كان أو غير منقول.
البيع بلا مخزون (Dropshipping)
في نظام البيع بلا مخزون (Dropshipping) يعرض البائع في متجره الافتراضي منتجًا غير موجود في مخزونه، بل في مخزون الشركات المورِّدة، بعد أن يضيف عليه ربحه. فإذا أتمّ المشتري عملية الشراء، يرسل المتاجر التي تقدّم خدمة الدروبشيبينغ المنتج مباشرة إليه.11 وقبل الحكم على جواز هذه المعاملة لا بدّ من الوقوف على التكييف الفقهي للمعاملة القائمة بين الشركة المورِّدة والبائع. فإذا نُظر إلى ظاهر المعاملة فكُيِّفت العلاقة بين المورِّد والبائع على أنها بيع، كان البائع يبيع لغيره مالًا لم يملكه بعدُ. وبناء على ما تقدم فإذا لم يكن بين الشركة المورِّدة والبائع أي عقد، لم يجز إجراء هذا البيع؛ لأن البائع هنا يبيع ما لم يدخل في ضمانه، فضلًا عن احتمال إلحاقه الضرر بالمشتري إن لم يجد المنتج في السوق. ولا يمكن كذلك تكييف ذلك على أنه عقد فضولي؛ لأن الفضولي يبيع مال شخص معيّن من غير إذنه، وأما في هذه المعاملة فلا يُباع مال مملوك لشخص معيّن، وإنما يُباع مال في ملك أيّ أحد، ثم يُبحث عنه في السوق فيُعثر عليه.
وأما إذا وُجد بين الشركة المورِّدة والبائع اتفاقٌ على توفير المنتج، فإنه يمكن تكييف هذا النظام على أنه وكالة بأجر؛ إذ يُعقد في هذه المعاملة اتفاق بين الشركة المورِّدة والبائع، وبموجب هذا الاتفاق يبيع البائع المنتج الموجود في مستودع المورِّد، ثم يُعلم المورِّد ببيعه فيتولّى نقل المنتج إلى المشتري. فكأن المورِّد في هذه الحال قد وكّل البائع في بيع منتجات معيّنة موجودة في مستودعه. والوكالة كما تجوز بغير أجر تجوز كذلك بأجر.12 إلا أنه يُشترط لصحة الوكالة بأجر أن يكون المعقود عليه عملًا، أو أن تُقيَّد بمدة معلومة إن كان منفعة.13 فإذا تحققت هذه الشروط استحق الوكيل الأجرة المسمّاة في الاتفاق، وإلا فسد العقد فاستحق الوكيل أجر المثل لا الأجرة المسمّاة.14
الخلاصة
البائع في عملية البيع بلا مخزون (Dropshipping) يبيع سلعة غير موجودة في مخزونه. ومشروعية هذه الصورة من البيع متوقفة على وجود اتفاق بين الشركة المورِّدة والبائع؛ فإن كان ثمة اتفاق يتضمن تفويض المورِّد للبائع في بيع المنتجات الموجودة في مخزونه، كانت العلاقة بينهما وكالةً بأجر، ومن ثَمّ يجوز هذا التعامل. وبناء على ما تقدم يكون الربح الذي يضيفه البائع على المنتج عند بيعه للعميل أجرةً للوكالة. وأما إذا لم يوجد بين الطرفين مثل هذا الاتفاق، فإن «البيع بلا مخزون» لا يجوز؛ لأن البائع يكون قد باع سلعة ليست في ملكه.
الحواشي والمصادر١٤
البقرة، 2/275. وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَیۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ↩
انظر: الترمذي، البيوع، 19 (رقم الحديث: 1232). ↩
انظر: علي الرباني، جامع الترمذي والمذهب الحنفي (كراتشي: المكتبة الربانية، 2020)، 4/569. ↩
انظر: فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (مصر: دار الكتاب الإسلامي، 1897)، 4/25. ↩
برهان الدين المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي (كراتشي: مكتبة البشرى، 2021)، 3/130-131. ↩
أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب (القاهرة: إدارة الطباعة المنيرية، 1928)، 9/259. ↩
أبو داود، البيوع (الإجارة)، 65 (رقم الحديث: 3499). ↩
المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، 3/111. ↩
أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني الرافعي، فتح العزيز بشرح الوجيز (الشرح الكبير) (دار الفكر، د.ت.)، 8/414. ↩
المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، 3/111. ↩
انظر: جميل ليف، «تحليل نموذج البيع الإلكتروني بلا مخزون (Dropshipping) من منظور الفقه الإسلامي» (بالتركية)، مجلة هيتيت للإلهيات 22/2 (ديسمبر 2023)، 573. ↩
انظر: محمد أمين ابن عابدين، العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية (بيروت: دار الكتب العلمية، 2008)، 1/618. ↩
محمد خالد الأتاسي، شرح المجلة (المكتبة الرشيدية، د.ت.)، 4/445. ↩
علي حيدر أفندي (خواجه أمين أفندي زاده)، درر الحكام شرح مجلة الأحكام (بيروت: دار الكتب العلمية، 2010)، 3/523. ↩